السعيد شنوقة
376
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
وفي قوله عز وجل : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 38 ] أورد سؤاله على أساس أن الهدى على الله واجب قائلا : « فلم جيء بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه » « 1 » و ( إمّا ) أداة شرط تدخل على ما يتردد في وقوعه والذي انبهم زمان وقوعه . لذلك أجاب عن تساؤله أمام هذا الشك والتردّد في الحال الذي علم إتيان الهدى كائنا لا محالة لوجوبه ، وعلّل بأنه للإيذان بأن الإيمان بالله تعالى وتوحيده لا يشترط فيه بعثة الرسل وإنزال الكتب بل لو لم يبعث رسلا ولم ينزل كتبا لكان الإيمان به وبتوحيده واجبا لما ركّب فيهم من العقل ونصب لهم الأدلة ومكّنهم من النظر « 2 » . بيد أنه إذا طلبنا رأي أهل السنة الخصم البارز للمعتزلة وجدناهم يؤسسون وجوب النظر في أدلة التوحيد على السمع لا على العقل . وإن كانت معرفة الله عز وجل ومعرفة توحيده ليست موقوفة على مجيء الشرع بل محض العقل كاف فيه باتفاق ؛ لأن « العقل عند أهل السنة لا يحسن ولا يقبح ، ولا يقتضي ولا يوجب ، والسمع لا يعرّف أي لا يوجد المعرفة بل يوجب » « 3 » . والآية : أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ [ الطور : 32 ] . دليل على أن الله تعالى أنعم بالعقل ليحكم بالحق ويرشد إليه : « أحلامهم عقولهم وألبابهم ، ومنه قولهم : أحلام عاد : والمعنى : أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول وهو قولهم : كاهن وشاعر مع قولهم : مجنون . وكان قريش يدعون أهل الأحلام والنهى » « 4 » . ونجد صدى التفسير بالدليل العقلي عند الزمخشري فيما أقرّه من أنّ النظر العقلي في آي الذكر الحكيم مدخل للتأويل الصحيح وهو ما يظهر في تفسيره الآية : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ ص : 29 ] :
--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 275 . ( 2 ) انظر م ن ، ج 1 ، ص ، 275 وأبو حيان الأندلسي ، البحر المحيط ، ج 1 ، ص ، 272 ود . سميح دغيم ، فلسفة القدر في فكر المعتزلة ، ص 292 . ( 3 ) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 55 - ، 56 وكذا ابن المنير ، الإنصاف ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 275 . ( 4 ) الكشاف ، ج 4 ، ص 25 .